عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
135
اللباب في علوم الكتاب
شخص متّخذ ، وأفرد الضمير في « يتّخذ » ؛ حملا على لفظ « من » و « يتّخذ » : يفتعل ، من « الأخذ » ، وهي متعدّية إلى واحد ، وهو « أندادا » . قوله تعالى : « مِنْ دُونِ اللَّهِ » : متعلّق ب « يتّخذ » ، والمراد ب « دون » [ هنا « غير » ] « 1 » ، وأصلها أن تكون ظرف مكان ، نادرة التصرّف ، وإنما أفهمت معنى « غير » ؛ مجازا ؛ وذلك أنّك إذا قلت : « اتّخذت من دونك صديقا » ، أصله : اتخذت من جهة ومكان دون جهتك ، ومكانك صديقا ، فهو ظرف مجازيّ ، وإذا كان المكان المتّخذ منه الصديق مكانك وجهتك منحطّة عنه ، ودونه ؛ لزم أن يكون غيرا ؛ [ لأنه ليس إيّاه ، ثم حذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، مع كونه غيرا ] « 2 » ، فصارت دلالته على الغيريّة بهذا الطريق ، لا بطريق الوضع لغة ، وتقدّم تقرير شيء من هذا أوّل السّورة . فصل في اختلافهم في المراد بالأنداد اختلفوا في « الأنداد » ، فقال أكثر المفسّرين « 3 » : هي الأوثان التي اتّخذوها آلهة ، ورجوا من عندها النفع والضّرّ ، وقصدوها بالمسائل ، وقرّبوا لها القرابين ؛ فعلى هذا : الأصنام بعضها لبعض أنداد أي أمثال ، والمعنى : أنّها أنداد للّه تعالى ؛ بحسب ظنونهم الفاسدة . وقال السّدّيّ : إنّها السّادة الّذين كانوا يطيعونهم ، فيحلون لمكان طاعتهم في أنّهم يحلّون ما حرّم اللّه ، ويحرّمون ما أحلّ اللّه ؛ ويدلّ على هذا القول وجوه « 4 » : الأوّل : ضمير العقلاء في « يحبّونهم » . والثاني : يبعد أنّهم كانوا يحبّون الأصنام كحبّ اللّه تعالى ، مع علمهم بأنها لا تضر ، ولا تنفع . الثالث : قوله بعد هذه الآية : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [ البقرة : 166 ] ؛ وذلك لا يليق إلّا بالعقلاء . وقال الصّوفية « 5 » : كلّ شيء شغلت قلبك به سوى اللّه تعالى ، فقد جعلته في قلبك ندّا للّه تعالى ؛ ويدلّ عليه قوله تبارك وتعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ الجاثية : 23 ] . قوله تعالى : « يحبّونهم » في هذه الجملة ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون في محلّ رفع ؛ صفة ل « من » في أحد وجهيها ، والضمير المرفوع يعود عليها ؛ باعتبار المعنى ، بعد اعتبار اللّفظ في « يتّخذ » .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر تفسير الفخر الرازي : 4 / 184 . ( 4 ) ينظر تفسير الفخر الرازي : 4 / 184 . ( 5 ) ينظر تفسير الرازي : 4 / 184 .